مقاعد الانتظار:
في وقتٍ تنأى فيه الشَّمس وتغيبُ أشعَّتها عن الأنظار، وجدتُ نفسِي في غرفةٍ جامدة، ساكنة، كان وجوه أهلها أمام هواتفهم، تدور أعينهم في حركاتِه وسكناتِه، لا ينظر أيٌ منهم للآخر إلا كنظرةِ العابر المار، لا كنظرةِ الجليس لجليسه، سلامٌ لا يتبعهُ كلام. يرقبُ كلٌ منهم مناداة اسمه كي يخرجَ من محبسه، أشيح بوجهي، أغضّ بصري، أمسك نفسي، أغلق على فكرتي تجاه هذا الانفصال الواقعي، ويصحب ذلك أنةً وزفرةً أضمِرُها، كاد أن ينصدع بها كبدي، امتعاضٌ يعبّر عن ما أراه من اغترابِ النَّفَس التواصلي الحقيقي.
أتنقّل بعدها بين الأفكار، وأعبرُ شتّى الأقطار، عبرَ مقعد الانتظار..
أدرك بعد جريان الزَّمن والسَّريان، الخيط الجامع، النَّابع من داخل زوايا الغرفة التي كانت تجمعني بهم، كلَّنا كنَّا ننتظر، اتَّفقت واجتمعت الحاجات في هذه الغرفة، واختلَفت خلفها، واغتمَّ أهلها إثرها، وامتلأ الخاطرُ بها، وسكن الفكرُ منزلها. تفكَّرت فيما يصنعه الانتظار في نفسِ الإنسان، يجعله ينظرُ عبرَ ثُقب ما ينتظر، يرى كلَّ الأشياء عبره، ينسيه عيشَه، ويحرمه سكينته، ويحرِق همَّته ويفتِّت وقته، ويهدِر قوَّته..
كان صاحبَ حرفةٍ ماهرة في فعل هذا كلِّه، سارقٌ خفيّ لها، ما أقساه! وما أغفلنا عن جريرته، وسوء صنيعته.
تطولُ اللَّيالي، وتتثاقل خُطوات النَّهار عن المُضي، تصبح السَّاعة كالسَّاعات، والعُمر يمضي كأعمارِ أهلِ قرن، ذلك ما يشعُر به صاحبُ الحاجةِ، ومرتقبُ اللحظة.
يتلمَّس عندها فعل هذا السَّارق، وما فعل بالغارق، وما تَرك من فارق..!
يأبىٰ وتأبىٰ نفسه ما صارت إليه، أتسرِقه حاجةٌ من حاجاتِ المستقبل وسرٌ من أسرارِ الغد؟ وهل أدرَك مُناه وبُغيته بهذا؟ هل استحالت حاجته واقعاً يعيشه؟ بل انقلب عيشُه، وفي كلِّ حالاته خاسر، إن حازَ ما رام وإن لم يظفر، فإن أتته بغيته كان في حالةٍ لا تسر فقد أنهكه طول الانتظار، وإن لم تأتِ فهي أشد عليه، لم يهنأ ببداية الأمر ولم يظفر نهايته.
لكنَّه، لم يصل حتَّى هذا الحد، يسلّيه فكرة الرجوع قليلاً، وتدارك ما بقي، لا خيرَ في انتظارٍ يُنسي نِعَم اليوم، ولا خير فيه إن كان يضفي على هذه النَّفس شيئاً من الجزع والهلع حتَّى يكون لها حاجزًا عن أن تعيش يومها بهناءة إن أتت حاجتها أم لا، فهي في نعيم الرِّضا والقناعة تنعم. هكذا تكون ولا بدَّ أن تكون..
١٨ | ١٤٤٢/١٠/٢١هـ..

تعليقات
إرسال تعليق