لماذا نحِن ونتمسك بالماضي؟
لماذا نحن لطيف الماضي؟
يتراءى لي طيفُ هذا السؤال كثيرا، فأجدني أسترسل معه إلى أن يصل بي إلى تساؤلات كثيرة. أولها: علاقة الإنسان بالماضي، وطبيعة هذا الماضي، فكلها تشكّل جواب سؤال: "لماذا نحِن ونتمسك بالماضي؟"
تنغص وتعكر بعض الأحداث حياة الإنسان التي يعيشها، وينمو فيها، ويتعلم منها. فكان أول ما يهرب به من هذا جميعه:
ماضٍ كان فيه، وأناسٍ كانوا معه وبيئةٍ نامَ بين أحضانها. حتى وإن انتهى هذا كله، بشخوصه وأحداثه وانقطعت حبال الوصل. تبقى الذكرى ملاذا يعود الإنسان إليه كلما أوقعت به سلاسل الأيام القاسية، ودار به الزمان دورته. هو سلوتُه حين تشتدّ المرارة ويقل الماء الذي يروي منبعه الجاف.
لطبيعة الماضي وشريطه الذي يمر صورةً من الصور التي لا يمكن أن يتخلى عنها أحد، جميلةً كانت في نفسها أم سيئة. فكل الطابعين لا بد من استحضارهما، فكلها تعمل عملها، وتأتي بثمارها.
تدهشني المحاولات التي أراها للحفاظ -بأي طريقةٍ- على ما سيذهب يوما مع أدراج الرياح، وقوّة الصباح، أي دخول لحظةٍ جديدة يكتب فيها شيء آخر.
هذا الأمر، أي تذكر لحظة الانقضاء والفناء، خيرٌ كثير. ليست فقط بأن يستلقي الإنسان ويتنعّم بما كان ويُقعده ذلك عن ما وجب عليه فعله. أو أن يحزنه حتى لا يقدِر على الحراك. بل أن يجعل هذا حاضرا في ذهنه. بأن يبقي لنفسه شيئا يتكئ عليه حينما تكثُر الصفعات وتقل اللمسات الحانية.
فإن كان الماضي درعا قويا، يحتمي به من آل حاضرُه إلى انكسارات وانهزامات، فهنا يتذكّره كي تقوى عزيمته على القيام مرة أخرى.
وإن لم يكن هكذا، فالحمدُ لله أن انتهى. وما بقي إلا ذكرى. والقويّ من قويَ على أن ينتشل نفسه من لونها الأسود الذي يغطي نوره الساكن. حتى يخرُج منه، تراه فتظن أن روحا أخرى سكنته.
وكما يقول المنفلوطي :"البدرُ لا يطلعُ إلا إذا شقَّ رداءَ الليل، والفجرُ لا يدرجُ إلا من مهدِ الظلام."
——-
١٥-٦-١٤٤٢هـ

تعليقات
إرسال تعليق