السجن الروحي:



عجِبتُ لأمرِك كيف أعطيت مفتاحك لمن استقرّ في قلبك! هم استقرّوا وما هدأت، سكنُوا وما سكَنت، عمِلوا ووقفت أنت واجلاً واجماً بائساً ترجُو خلاصاً.

أما علِمت أنَّك في موضع المأسُور فلا قدرة لك على أن تتحكَّم إلا بتحكُّم جليسِ  قلبك، صُرفت حتَّى نسيت ووقعْت حتَّى باتَ قيامكَ عصيباً عسيرًا.

لا تأسر قنديلك، لا تجعله في غير مكانه وزمانه، حتى لا يصير ظلامك ونورك حكَمَا، وقاضيا، وفاصلاً، لمن كان ومن سيكُون. لا تبخل وتبخس بما فطرت على إعطائه، ولكن إياك وإسرافٌ وهدرٌ في شعور، فإني أعرف، أنك تعرف أن مآل ذلك لا يبهج ولن يحمِلك المحمَل الذي كنت تظنُّه بادئ أمرك وسالِف فكرك. 

أما نُدرك من الإسرافِ إلا إسرافَ المادَّةِ؟ ألا والله إني لأجد من الإسرافِ في المعاني وإعطائها ما لا أجده في غيره، حتى يخرج الأمر مخرجاً ويبلغ مبلغاً آخر لا يُطيقه صاحبه ولا يقدِرُ على احتماله. أما مرَّ هذا في خياله؟ أما أدرك مزايا ورزايا ما فيه؟ 

قد كان، لكنَّه أبى إلا أن يخطوه، ويسير في دروبه. وهذا والله من خَطَل الرأي، وبرودٍ وشرودٍ فيه.

احرص على ما يجنِّبك أن تفقد جزءًا من حرِّيتك، ويحرمك قدرا من تعقُّلك، ويصرفك صروفًا لا تليقُ بك، ويهوي بك مهاوي لا تحسُن أن تسير بها وقد رُزقت العقل والقلب معا، وتحصَّن بذلك بكل ما يمكنك أن تتحصَّن به.

إنك وإن كنت تحمل قلباً بين جنبيك، فهذا مما لا يحسُن بك العبث به، بل يجدرُ بك أن تحميه، وتهذِّبه وتؤدبه، وتنزلهُ منزلةً تناسبه، وتضعُ فيه من المشاعِر المتاوزنة التي تُعطى لمن حلّ محلاً في القلب من حبٍ ورأفةٍ ورفقٍ وما قارنها وشابهها من مشاعرَ طاهرة وأحاسيس عذبة، لكن فرقٌ وبونٌ شاسع بين هذا وبين أن تُسكنهم مسكناً تخسر فيه هدوءك واستقرارك، وتعيشَ حياتهم وتنسى حياتك أنت وأمرك الذي كُنت فيه فصرفك عنه سوءُ عقلِك وتدبيركَ فجعَلت أمرَكَ ليسَ بيدك بل أسلمته لغيرك، وعبثَ فيه حتى ضِعت.

زِن ذلك جيدًا.

——-

٧-٧-١٤٤٢هـ

تعليقات